السيد جعفر مرتضى العاملي
68
الصحيح من سيرة الإمام علي ( ع )
وقد رسمت مشورة علي « عليه السلام » لابن مرداس حدوداً أظهرت له : أن هناك نوعان من الناس ، هم : أهل الهجرة والسابقة ، والجهاد ، والتضحية بالمال ، والنفس ، والولد ، والتخلي عن الأوطان ، وعن الأهل والعشيرة من أجل دينهم ، وحفظ إيمانهم . ويقابلهم : أهل الطمع وطلاب الدنيا ، الذين يقيسون الأمور بالأرقام والأعداد . وقد جاء رسم هذه الحدود له في نفس اللحظة التي انفتحت فيها بصيرته على معنى القيمة ، حين ساقته تحولات الأمور معه إلى أن يلهج بالقول : « بأبي أنتم وأمي ، ما أكرمكم ، وأحلمكم ، وأعلمكم . . » ! فوجد نفسه أمام كرم لا يضاهى ، تجلى له بهذا العطاء الجليل . . وأمام حلم لا يجارى ، حيث اعترض على من دانت له العرب ، ولم تقصر همته عن مناهضة العجم ، ولم يجد فيه إلا الخلق الرضي ، وإلا السماح ، والسماحة ، والحلم والنبل ، وكمال الرصانة والعقل ، والعفو ، والإنصاف والعدل . . فقد استدعاه رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، وسأله سؤالاً واحداً ، ولم ينتظر منه جواباً ، بل بادر إلى اتخاذ القرار الحاسم بحقه . ولكنه لم يكن قرار ملك أو جبار ، بل كان قرار الرحمة والرضا ، والكرم ، والحلم . ووجد نفسه كذلك أمام علم لا يوصف ، اضطره إلى البخوع والتسليم ، وطلب المشورة من علي « عليه السلام » بالذات ، فجاءته مشورته الصادقة ، فلم يجد حرجاً من العمل والالتزام بها . .